صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
95
تفسير القرآن الكريم
وإليه الإشارة بقوله : « وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي » أي بحسب اقتضاء العناية الأزلية والقضاء السابق ، وكثيرا ما اطلق القول والكتابة من قبل اللّه سبحانه ، ويراد الفعل من جهة ما يوجبه التقدير الأزلي المنوط بالأسباب القصوى الإلهية ، كقوله تعالى وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [ 41 / 25 ] وقوله : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ 6 / 12 ] . « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ » أي جهنم الطبيعة السفلية التي ستطلع نيرانها ويبرز إيلام عذابها في الآخرة ، فإن حقيقة نار الجحيم إنما نشأت من هذا العالم ، وأما ظهورها على الأفئدة ، فهو مختصّ بيوم الآخرة ، فكما ان الدنيا مملوّة من الكفار والفجار ، فكذا جهنم الآخرة مملوة من الجن والإنس أجمعين ، وهم أكثر عمّار هذا العالم من النفوس المكارة الوهمانية والأرضية الجاسية الغليظة الطبائع ، لما مر ان النظام لا ينصلح إلا بأن يكون هذا العالم مشحونا بالجهلة والأرذال والكفرة والمنافقين ، وان أهل اللّه لا يكونون إلا الأقلين ، مع أن غيرهم من أشخاص المواليد ما خلقت إلا لأجلهم ، لأنهم اللبّ الأصفى من شجرة الطبيعة ، والباقي بمنزلة القشور على مراتبها ، فحقّت عليهم كلمة العذاب ، كما حقّت على العود والحطب الاحتراق بالنار ، لما صدر عنهم ما يؤدى إلى ذلك على وجه الاختيار المنبعث عن الأسباب الغائبة لا على وجه الإلجاء والاضطرار ، لأنهم استحبّوا العمى على الهدى ، فوقعوا باختيارهم في المحنة والبلوى ، وألقوا أنفسهم بأيديهم إلى الهلكى . فإن قلت : إذا كان الكل بقضاء اللّه وقدره فلما ذا يعاقب اللّه من ساقة القدر إلى ارتكاب الجرائم والخطيئات ؟ قيل : هذا السؤال منك ناش من جهلك بحقيقة العقوبات الإلهية ، فإنك لاعتيادك بأفاعيل الناقصين من المختارين كإنعامهم على الصديق وانتقامهم عن العدو ، الناشين من اعتقاد النفع ودفع ألم الغضب والغيظ ، تعتقد ان العقوبات الأخروية من باب الانتقام للتشفي الحاصل منه للمنتقم ، فيتخلّص به عن ألم التهاب نار الغضب ، هيهات